عبد الوهاب الشعراني

66

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

تعالى أوجب علينا إقامة شعائر الدين ، فينبغي للفقيه أن يحفظ له خطبة جامعة للأركان والشرائط والآداب والوعظ الحسن ، لتكون معه يخطب بها إذا احتيج إليه ، كأن غاب الإمام أو الخطيب ، أو بادر بعض الناس وحلف بالطلاق لا يخطب لنا اليوم إلا فلان كما يقع ذلك كثيرا في بلاد الريف وغيرها . واعلم أنه ليس مما ذكرناه من امتنع عن الإمامة لشهود ضعفه عن تحمل سهو المأمومين ونقص صلاتهم ، فإن هذا إنما ترك فعل ذلك احتياطا لنفسه لا حياء طبيعيا . وقد رأيت الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه اللّه يصلي الظهر فأحرم خلفه رجل فلما سلم قال لا تعد تصلي خلفي أبدا ، فإني عاجز عن تحمل نقص صلاتي فكيف أقدر على تحمل نقص صلاة غيري ، فقال له الرجل إنما قصدت حصول فضل الجماعة لكم ، فقال الشيخ عدم تحمل نقص صلاتك أرجح عندي من حصول فضل جماعتك ا ه . ولكل مقام رجال وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الإمام أحمد واللفظ له وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحيهما » مرفوعا : « من أمّ قوما ، فإن أتمّ فله التمام ولهم التّمام ، وإن لم يتمّ فلهم التّمام وعليه الإثم » . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « من أمّ قوما فليتّق اللّه وليعلم أنّه ضامن مسؤول لما ضمن ، فإن أحسن كان له من الأجر مثل أجر من صلّى خلفه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا وما كان من نقص فهو عليه » . قلت : والفرق بين الصلاة التامة والكاملة أن التامة هي ما جمعت الشروط والأركان من غير أن ينقص منها شيء ، والكاملة ما زادت على ذلك بالحضور والخشوع ونحو ذلك من الأعمال القلبية ، وقوله في الحديث « فليتق اللّه تعالى » معناه أنه ليس له أن يؤم من هو أعلى منه درجة ، كأن يكون مرتكبا صغيرة أو مكروها أو خلاف الأولى ، ومن يصلي وراءه خال عن ارتكاب ذلك ، واللّه أعلم . وروى الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن مرفوعا : « ثلاثة على كثبان المسك أراه قال : يوم القيامة ، فذكر منهم : ورجل أمّ قوما وهم به راضون » . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ، ولا ينالهم الحساب وهم على كثيب من المسك حتّى يفرغ من حساب الخلائق : رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه اللّه تعالى . ورجل أمّ قوما وهم به راضون » الحديث ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ الكلام على صفاء السريرة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) إذا صفت سرائرنا من جميع ما يسخط اللّه عز وجل بحيث لم يبق في سرائرنا وظواهرنا إلا ما يرضي ربنا أن نواظب على الصلاة في الصف الأول عملا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ليليني منكم أولو الأخلام والنّهى » .